سطات.. حدائق تموت في صمت وأطفال بلا متنفس: أين الجهات المسؤولة إقليميا ومحليا؟
لم تعد وضعية الحدائق والمساحات الخضراء بمدينة سطات مجرد ملاحظة عابرة أو موضوعاً ثانوياً يمكن تأجيله، بل أصبحت سؤالاً حقيقياً حول مدى حضور الفضاءات العمومية في أجندة الجهات المسؤولة إقليميا ومحليا، وحول حق الساكنة في مدينة تتوفر على الحد الأدنى من شروط العيش الكريم.
فالعديد من الحدائق العمومية بالمدينة تعاني من ضعف واضح في العناية والصيانة، إلى جانب ضعف الإنارة، الأمر الذي يحول بعضها، خصوصاً خلال الفترة المسائية، إلى فضاءات لا تشجع الأسر على ارتيادها، بدل أن تكون متنفساً آمناً للأطفال والعائلات.
والمفارقة الأكثر إثارة للاستغراب أن من بين هذه الفضاءات الحديقة الموجودة أمام القصر البلدي، والتي تعد من أقدم حدائق المدينة، فكيف يمكن أن تصل وضعية حديقة تقع أمام مقر الجماعة نفسها إلى هذا المستوى من الإهمال أو ضعف العناية؟
هنا تحديداً يصبح السؤال موجهاً بشكل مباشر إلى الجهات المختصة: إذا كانت حديقة توجد أمام مقر الجماعة تحتاج إلى مزيد من العناية، فما حال الحدائق الموجودة في الأحياء البعيدة؟
والأكثر إثارة للقلق هو وضع عدد من الأحياء، وخاصة الأحياء الجديدة، التي توسعت عمرانياً دون أن تواكبها، بحسب ما تلاحظه الساكنة، مساحات خضراء وفضاءات للترفيه تستجيب لحاجيات الأسر والأطفال، وكأن التخطيط الحضري ينتهي عند بناء المنازل ، ولا يتذكر أن وراء كل نافذة طفلاً يحتاج إلى مكان يلعب فيه.
وفي هذا السياق يستحضر عدد من المتابعين ما كان الملك الراحل الحسن الثاني قد شدد عليه، في إحدى كلماته الموجهة إلى رجال السلطة بمناسبة تعيين عدد من العمال، على أهمية توفير فضاءات خضراء ومرافق للترفيه لفائدة الأسر والأطفال، بما يجعل الحدائق فضاءات للتربية على حب الطبيعة والجمال، وتكوين شاب أنيق في سلوكه وذوقه وشغوف بالجمال، وهي رؤوية تجعل الفضاء العمومي جزءا من تربية الإنسان وصناعة المدينة، وليس مجرد مساحة مهملة بين البنايات، غير أن هذا التصور يبدو اليوم بعيداً عن واقع عدد من الحدائق العمومية بمدينة سطات…
أحياء جديدة، بنايات تتكاثر، إسمنت في كل الاتجاهات، لكن أين الحدائق؟ وأين ملاعب القرب؟ وأين الفضاءات التي يمكن للطفل أن يلعب فيها بأمان دون أن يضطر إلى الشارع أو إلى البحث عن متنفس خارج الحي؟ وأين هو المتنفس الذي يحق لكل أسرة أن تجده بالقرب من منزلها دون أن تضطر إلى قطع مسافات طويلة بحثا عن متنفس؟
هل أصبح من الطبيعي أن يكبر أطفال سطات وسط الإسمنت دون حديقة أو فضاء أخضر أو مكان امن للعب قريب من منازلهم؟
إن تدبير المدينة لا يقاس فقط بعدد المشاريع والتهيئات، بل كذلك بمدى قدرة المسؤولين على توفير فضاءات تجعل المدينة أكثر إنسانية، فالحديقة ليست ترفاً، والمساحة الخضراء ليست كماليات، وفضاء لعب الأطفال ليس مشروعاً ثانوياً يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى.
ومن حق ساكنة سطات أن تتساءل عن البرامج المخصصة لصيانة الحدائق القائمة، وعن وضعية الإنارة بها، وعن المشاريع المرتقبة لإحداث فضاءات خضراء جديدة، خصوصاً بالأحياء التي تفتقر إليها بشكل واضح.
كما أن الجهات المختصة مطالبة، في إطار الشفافية، بتوضيح ما تم رصده من اعتمادات وبرامج مرتبطة بالحدائق والمساحات الخضراء، وما تم إنجازه فعلياً على أرض الواقع، حتى لا تبقى هذه الفضاءات مجرد بنود في البرامج والميزانيات دون أثر ملموس في حياة السكان.
سطات تحتاج إلى حدائق لا إلى وعود، وإلى فضاءات للأطفال لا إلى مزيد من الإسمنت.
وإذا كانت المدينة تتطلع إلى مستقبل أفضل، فإن ذلك المستقبل يجب أن يبدأ أيضاً من حق الطفل في حديقة قريبة، ومن حق الأسرة في فضاء أخضر نظيف ومضاء وآمن.
أما أن توجد حديقة أمام القصر البلدي وتظل وضعيتها مثار انتقاد، بينما توجد أحياء جديدة بلا متنفس، فذلك يضع الجهات المختصة أمام مسؤولية سياسية وتدبيرية لا ينبغي تجاهلها.
فالسؤال اليوم لم يعد: هل تحتاج سطات إلى حدائق؟ بل: لماذا لم تصبح الحدائق أولوية حقيقية في تدبير المدينة التي توصف في الأمس ب”مدينة الزهور”؟
